
الماوردي .. رائد التنظير السياسي
يرصد عبدالوهاب عيسى بداية التأليف في "السياسة الشرعية" في التاريخ الإسلامي التي بدأت بمجموعة من الكتابات الأدبية لعبد الله بن المقفع (ت 139هـ) مثل "مرايا الأمراء" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" الذي بحث فيه آداب وأصول السياسة وقواعد الرياسة وكيفية التعامل مع السلاطين وغير ذلك من الآداب التعاملية.
وقد سمي الأول بالكبير، ليس لكبر حجمه، وإنما لأنه خاطب به السلطان والخاصة، كما سمي الصغير صغيرا لأنه خاطب به العامة.
ويرى البعض في رسائل عبد الحميد الكاتب (ت 132) وما كتبه عن آداب الكتابة والدواوين في "رسالة إلى الكتاب" بداية الكتابات السياسية لكن أيا كانت البداية فإنها جاءت أدبية فابن المقفع ساعده لسانه الفارسي على نقل التراث السياسي الفارسي، وحاول عبر كتاباته السياسية استيعاب تجربة الملك الفارسي ضمن المجال السياسي الإسلامي.
وعلى غراره كان كتاب "التاج في أخلاق الملوك" لأبي عثمان الجاحظ (ت 252هـ) وباب "استحقاق الإمامة" في رسائله الكلامية فقد كان الجاحظ معتزليا وضمن حاشية الخليفة العباسي، وقد خصّ بكتابه (التاج) الأمير الفتح بن خاقان، والكتاب في مجمله يحاول استعادة أخلاق ملوك ساسان وإعادة شرحها وتكييفها مع المُلك العربي.
ويظهر من هذه الكتب أن أصولها ومصادرها تعود إلى كتابات الأمم السابقة وخصوصا التي ركزت على أهمية الحاكم الفرد؛ فأبدى الجاحظ في هذا الكتاب إعجابا كبيرا وصريحا بتجربة السياسة الفارسية في الحكم والإدارة، إذ يقول عن ملوك العجم: "عنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة وترتيب الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وإلزام كل طبقة حظّها، والاقتصار على جديلتها"، فأراد من هذه السيرة الملوكية الفارسية أن يتعلم العرب كيفية التعامل مع ملوكهم.
ويذكر أيضا في سياق الكتابات السياسية المترجمة في هذه المرحلة كتاب (سلوك المالك في تدبير الممالك) لابن أبي الربيع الذي ألفه في زمن الخليفة المعتصم العباسي (227هـ) بطلب منه، اعتمد فيه على الفكر السياسي اليوناني، مؤكدا على الشكل الملكي للحكم، الذي يقوم على حكم الفرد، مشفوعا بالتفويض الإلهي للحكام "إن الله خصّ الملوك بكرامته، ومكّن لهم في بلاده، وخوّلهم عباده" ثم تناولت السياسة الإسلامية عدة مؤلفات منها الديني وهو ما يهمنا، والفلسفي وهو ما لن نعرضه نظرا لأن طرق استنباطها لا تمت إلى منهجية الاستنباط الشرعي.
وفي القرن الثالث دخل التأليف في السياسة الشرعية إلى مرحلة جديدة كانت فيها عبارة عن مواعظ متفرقة مبثوثة في كتب الأخبار والأدب، لم تفرد لها مصنفات خاصة؛ وهي عبارة عن أمثال وحكم وأقوال مأثورة، وقصص وآيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية؛ وهي مرحلة ذكرها الأستاذ عبد الكريم مطيع الحمداوي محقق كتاب تحفة الترك لنجم الدين الطَّرَسوسي في مقدمة كتابه وجعلها مرحلة أولى، وإن كانت تستحق أن تكون مرحلة ثانية، وخير مثال لهذه المرحلة كتب كـ"عيون الأَخبار" لابن قتيبة (213 - 276 هـ)، والكامل للمبرد (210هـ)، والعقد الفريد لابن عبد ربه ( 246هـ).
وفي هذه المرحلة أضيف شكل جديد للتأليف السياسي السني في السياسة الشرعية حيث بدأ التنظير الشيعي في مسألة الإمامة، والقول بأن الرسول عليه السلام ( قد نصّ لعلي وبنيه بالإمامة، فكرست بعض الفصول والأبواب للرد على هذه النظرية مثال ذلك رد ابن قتيبة (213هـ ـ 276هـ) في كتابه (الإمامة والسياسة) على الشيعة بطريقتهم، أي بالاستدلال بالنص على مشروعية الخلفاء الراشدين.
ومثله كان رد "أبو الحسن الأشعري" (260 ـ 324هـ) في (الإبانة عن أصول الديانة) حيث خصص بابا في آخر كتابه للكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
بعد ذلك جاءت مرحلة جديدة مختلفة في التنظير السياسي، تحولت به إلى علم مستقل له أصوله وفروعه مع كتاب الماوردي، ويمكن القول بأن من أشهر كتب الفقه السياسي في التاريخ الإسلامي هو كتاب ( الأحكام السلطانية ) للإمام الماوردي، واسمه الكامل علي بن محمد بن حبيب. ولد في البصرة عام 364 هجرية، وفيها تلقى العلم، وأتم تحصيله في بغداد، تقلد القضاء في عدة مناطق حتى وصل منصب قاضي القضاة، وكانت له علاقة وطيدة مع الخليفة ورجال الدولة في زمانه. وكان الخليفة يثق فيه وجعله سفيراً بينه وبين بني بويه وبينه وبين السلاجقة، وكانت بيد هؤلاء مراكز القوة في الدولة، ولقد أهلته ثقافته العالية ووظائفه المتعددة واتصاله برجال السلطة عن قرب وخبراته السياسية للكتابة في الفقه السياسي.
وقد نال كتاب الأحكام السلطانية شهرة واسعة، ويرى الدكتور بسطامي محمد خير ـ الذي كتب في تطور الفقه السياسي الإسلامي ـ بأنه يعد أول من جمع مسائل الفقه السياسي المنثورة في مواضع متفرقة في كتاب واحد. يقول الماوردي عن ذلك في مقدمة كتابه:
(لما كانت الأحكام السلطانية بولاة الأمور أحق، وكان امتزاجها بجميع الأحكام يقطعهم عن تصفحها مع تشاغلهم بالسياسة والتدبير أفردت لها كتاباً) .
يبدأ الكتاب بإعطاء تعريف للإمامة والمؤهلات المطلوبة لتقلد هذا المنصب الهام، والطرق الصحيحة لانعقاد الإمامة، ثم يبين واجبات الدولة وواجبات الشعب نحوها والأمور التي تؤدي إلى عزل الإمام. وبعد أن يعطي تعريفاً لكل من الوزارة والإمارة يتحدث عن أنواع الوزارة والإمارة وسلطات كل نوع والمؤهلات المطلوبة لتوليها، ثم ينتقل لمناقشة المهام التفصيلية لأجهزة الدولة المالية والقضائية والعسكرية.
وعموماً يمكن إجمال منهج الكتاب في النقاط التالية:
أ - بما أن الكتاب قد ألف في القرن الخامس الهجري وقد تأصلت المذاهب الفقهية وتمايزت فإن الكتاب يعتبر جمعاً ونقلاً لأراء الفقهاء وتلخيصاً لنظرياتـهم في مسائل السياسة.
ب - حاول الماوردي استيعاب الآراء الفقهية، وقد أشار في مواطن عديدة إلى من اقتبس منهم. وقد كان منهجه في منهج الدراسة المقارنة، فلم يقتصر على ذكر مذهب واحد بل تعرض لكل المذاهب وقارن بينها. وكان يذكر أيضاً أدلة الآراء من القرآن والسنة وآراء الصحابة والتابعين وأعمال الخلفاء السابقين.
ج - سعى المؤلف لضم كل الموضوعات في مؤلف واحد، ولقد اضطره ذلك إلى صياغة عباراته صياغة موجزة وذكر الأدلة ذكرا مختصراً.
ابن تيمية ومنظومة القيم السياسية
لم يكن كتاب السياسة الشرعية الذي ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) بتلك المكانة والقيمة التي احتلها كتاب الماوردي في تاريخ التدوين السياسي، ليس لضعف في محتواه بل بسبب الهدف الذي من أجله صاغ ابن تيمية هذا الكتاب، فقد كانت مجرد رسالة صغيرة موجهة إلى حكام دولة المماليك وغايتها إصلاح الواقع بالقدر الذي يراه ممكناً. يقول في مقدمة كتابه: (فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والإنابة النبوية لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور) ولهذا لا نجد في الرسالة توسعاً في مباحث الدولة، ولا حديثاً عن الطريقة الصحيحة لتكوين الحكومة، التي كان الجدل والإشكال يدور حولها كثيراً في كتاب الإمام الماوردي، بل اتجه ابن تيمية في كتابه إلى وظائف الدولة وغاياتـها، ويقترح الإصلاحات الكفيلة بتقويمها.
ومن أهم هذه الإصلاحات التي يراها ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية:
1 - اعتبار السياسة جزءاً من الدين لا يكمل إلا به يقول: (إن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس). ويقول: (وهاتان السبيلان - سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما سبيل المغضوب عليهم والضالين).
2 - جعل غاية الدولة إقامة العدل وأداء الأمانة يقول في ذلك: (وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانة إلى أهلها والحكم بالعدل فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة) .
3 - استعمال الصلح في مناصب الدولة ووظائفها دون محاباة لقرابة أو غيرها يقول: (فيجب على من ولي شيئاً من أمر المسلمين أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه).
4 - إشاعة الشورى يقول (لا غنى لولي الأمر من المشاورة). المشاورة تكون لأهل العلم يقول: (وأولو الأمر هم الأمراء والعلماء وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس).
5 - منع الظلم الواقع من الحكام والشعب في جمع الأموال وصرفها، يقول: (وكثيراً ما يقع الظلم من الولاة والرعية، وهؤلاء يأخذون مالا يحل وهؤلاء يمنعون ما يجب).
6 - إشاعة الأمن والعدل في القضاء، فيقول عند حديثه عن العقوبات (وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والضعيف ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بغيرها).
------------------------
* مقتطف من بحث مقدم لمادة (النظم الإجتماعية)، أستاذ المادة/ د.عبدالله العويسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق