الجمعة، 22 يناير 2010

منظمات المجتمع المدني وتحسين أداء السلطة



يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن توفر ضوابط على سلطة الحكومة. ويمكنها، من خلال هذا الدور، أن تسهم في تحسين إدارة الحكم عبر تعزيز المساءلة والشفافية في النظام السياسي. كما يمكنها الإسهام في صياغة السياسات العامة، وحماية الحقوق، والتوفيق بين المصالح، وإيصال الخدمات الاجتماعية. وبعملها هذا، تعزز منظمات المجتمع المدني الفاعلية والمشاركة في الشؤون العامة، وتقوي حكم القانون وغيرها من خصائص إدارة الحكم الصالح. فمثلا، تمكنت وسائل الإعلام أحيانا، وحيث تتمتع بقدر معقول من حرية التعبير، من أن تصبح بالفعل وسائط مهمة للمحاسبة والشفافية والمشاركة تعود بالفائدة على المواطنين وتمثيلهم بفاعلية أكبر من الأجهزة التشريعية الرسمية التابعة للحكومة.

تضم منظمات المجتمع المدني بكل دولة جمعيات الصناعيين، والنقابات العمالية، وجمعيات التجار وجمعيات أرباب العمل، وجمعيات المهن الحرة، والمؤسسات الإعلامية، والمنظمات غير الحكومية، ومنظمات حقوق الإنسان المعترف بها رسميا. وتعتبر الأحزاب السياسية أيضا من عناصر المجتمع المدني. وفي الدول التي يسمح نظامها بتعدد الأحزاب، يتم ذكر الإطار القانوني الذي يحيط بعمل الأحزاب السياسية. وتبحث الأحزاب السياسية وبرامجها وتمثيلها البرلماني بتفصيل أكثر في المقالات الخاصة بالانتخابات والسياسة الانتخابية.

يتوافر لدى معظم الدول العربية أطر قانونية خاصة بالجمعيات والهيئات السياسية وغير السياسية، وبالمنظمات غير الحكومية، وهيئات القطاع الخاص، والنقابات العمالية. وعلى وجه الخصوص، تفحص المقالات قوانين تأسيس الجمعيات الأهلية، وقوانين الصحافة، وقوانين الأحزاب السياسية في كل دولة. كما نورد لائحة بالمنظمات الأم مثل الاتحادات المهنية، وغرف التجارة والصناعة، والنقابات العمالية. فهذه المنظمات تلعب دورا هاما ليس في أوساط المجتمع المدني فقط، بل في القرار السياسي وفي عملية رسم السياسات أيضا.

تدل عمليات ترخيص الجمعيات والمنظمات الأهلية وتسجيلها في كل دولة على مدى الممارسة الفعلية لحرية تأسيس الجمعيات المكفولة في كل دستور تقريبا. فمثلا، إن تكليف وزارة العدل بمسؤولية تشكيل الجمعيات الأهلية والإشراف عليها سيكون اكثر شفافية من عمليات الرقابة التي تمارسها وزارة الداخلية. كما تورد المقالات الخاصة أسماء الوزارات المكلفة بتأسيس الجمعيات الأهلية مثل وزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الإعلام. كما تبيّن هذه المقالات المصادر المشروعة لتمويل منظمات المجتمع المدني وفقا للقانون. وحيثما ينطبق ذلك، وحيث تتوافر المعلومات، يتم ذكر الممارسات الإدارية الداخلية لمنظمات المجتمع المدني وقوانين الطوارئ في الدول المعنية. أخيرا، تقدم المقالات مسحا للترتيبات المدنية التي ينص عليها الدستور وموجز تاريخي عن الإصلاحات الاجتماعية والسياسية في كل دولة من زاوية مدى إسهامها المباشر في التطوير الإيجابي لعلاقات الدولة بالمجتمع المدني.



---------

* برنامج الأمم المتحدة للمجتمع المدني

CSOs منظمات المجتمع المدني







CSOs

ماذا تعني؟





هي اختصار لكلمة (منظمات المجتمع المدني) وأصلها الكامل باللغة الإنجليزية civil society



ثمة اجتهادات متنوعة في تعريف مفهوم المجتمع المدني. فالمعنى الأصلي للمفهوم هو "المجتمع السياسي" الذي يحكمه القانون تحت سلطة الدولة. لكن المعنى الأكثر شيوعاً هو تمييز المجتمع المدني عن الدولة، بوصفه مجالاً للمجموعات والجمعيات المستقلة مثل جمعيات رجال الأعمال وجماعات الضغط والأندية والعائلات ونحوها أي أن المجتمع المدني يتكون مما أطلق عليه إدموند بيرك (1729-97) Edmund Burke " الجماعات أو الفصائل الصغيرة little platoons". وبهذا المعنى يعكس التمييز بين المجتمع المدني والدولة الانقسام بين العام والخاص: فالمجتمع المدني يضم المؤسسات " الخاصة" المستقلة عن الحكومة والمنظمة من قبل الأفراد لتحقيق أهدافهم ومصالحهم.

من ناحية أخرى، ميز هيجل (1770-1831) G.W.F.Hegel المجتمع المدني ليس فقط عن الدولة بل أيضاً عن الأسرة. حيث رأى المجتمع المدني كمجال" للأنانية العامة universal egoism " حيث يضع الأفراد مصالحهم الخاصة قبل مصالح الآخرين، بينما تمثل الدولة والأسرة " الإيثار العام" و " الإيثار الخاص" على الترتيب.


يستخدم المجتمع المدني عادة كمفهوم وصفي لتقييم التوازن بين سلطة الدولة من جهة، والهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى فالشمولية totalitarianism مثلاً تقوم على إلغاء المجتمع المدني، ومن ثم يوصف نمو التجمعات والأندية الخاصة وجماعات الضغط والنقابات العمالية المستقلة في المجتمعات الشيوعية السابقة بعد انهيار الحكم الشيوعي، توصف هذه الظواهر بعودة المجتمع المدني.
ومع ذلك، يلتصق مفهوم المجتمع المدني في أغلب الحالات بدلالات معيارية وأيديولوجية. فوفقاً للرؤية الليبرالية التقليدية، يتسم المجتمع المدني بأنه مجال الاختيار، والحرية الشخصية،والمسئولية الفردية، في مواجهة الدولة التي تقوم بوظائفها معتمدة على سلطتها الإكراهية الإلزامية أى أن المجتمع المدني يتيح للأفراد المجال لتشكيل مصائرهم الخاصة. ويفسر ذلك أهمية وجود مجتمع مدني قوى مستم بالحيوية كملمح أساسي للديموقراطية الليبرالية، والتفضيل الأخلاقي لدى الليبراليين التقليديين للمجتمع المدني على الدولة وهو ما يظهر في الرغبة في تقليص نطاق السلطة العامة وتعظيم المجال الخاص.

وعلى النقيض من ذلك، يوضح الاستخدام الهيجلي للمفهوم أبعاده السلبية حيث يضع أنانية المجتمع المدني في مواجهة الإيثار المعزز في إطار كل من الأسرة والدولة، من ناحية ثالثة، فإن الماركسيين والاشتراكيين عادة ما ينظرون إلى المجتمع المدني بصورة سلبية حيث يربطونه بالهيكل الطبقي غير المتكافئ و المظالم الاجتماعية. وتبرر مثل هذه الآراء التخلص من الهيكل القائم للمجتمع المدني كلية، أو تقليص المجتمع المدني من خلال التوسع في قوة الدولة ودورها التنظيمي.
* موسوعة ويكيبيديا العالمية

التحول الديمقراطي وتأثيره في تشكيل أنواع للديمقراطية



لكل دولة نسختها من الديمقراطية أو غيابها. ولكل مجتمع عناصر الدفع التي أدت إليها أو أعاقتها وهذا التفاعل بين العناصر المختلفة هو الذي شكل لكل نظام ديمقراطي صيغته النهائية. بيد أن أنماطا خمسة، مع هامش من الخطأ في التعميم، يمكن رصدها في أدبيات التحول الديمقراطي. وفي كل نمط من هذه الأنماط كان هناك عامل أساسي، وليس وحيدا، يدفع نحو التحول الديمقراطي إما من قاع المجتمع السياسي أو من قمته، وإما من داخل النظام السياسي أو من خارجه.
فهناك أولا التحول الديمقراطي في أعقاب ثورات اجتماعية: ولهذه الثورات صيغتان إحداهما تاريخية والأخرى معاصرة. ففي الصيغة التاريخية، حدثت ثورات لأسباب اقتصادية بالأساس حدث فيها تحالف طبقي بين الطبقتين الوسطى (البرجوازية المتعلمة التي لم تقبل الجباية الملكية) والدنيا (التي كانت تعاني أوضاعا اقتصادية غير إنسانية) ضد النخب الحاكمة من ملوك وأمراء إقطاع فانتهت إلى وضع قيود قانونية وسياسية على ممارسات هذه النخب. وأفضل النماذج الكلاسيكية لهذا النمط من التحول الديمقراطي نجده في إنجلترا (القرن الـ 17) والولايات المتحدة وفرنسا (القرن الـ 18). في الصيغة المعاصرة كان العامل السياسي غالبا مع رغبة أكيدة ليس فقط في التخلص من الحكام ولكن في تغيير قواعد اللعبة السياسية والدستورية. فقد وصلت القوى السياسية المختلفة إلى درجة من القمع لم يعد ممكنا معها إلا أن تغامر بكل ما تملك من أجل إصلاحات ديمقراطية حقيقية. ويعد نموذج القضاء على تشاوشيسكو في رومانيا أحد أهم هذه الأمثلة لكنها كانت لحد بعيد تكرارا لنماذج أخرى مثل ثورة كوستاريكا في عام 1948 وثورة بوليفيا عام 1952. ويأتي نموذجا جورجيا وأوكرانيا الأخيران كمثالين حديثين لهذا المسار.
وهناك ثانيا التحول الديمقراطي تحت سلطة الاحتلال أو بالتعاون معه: وأوضح الأمثلة التاريخية لهذا النمط هو دور الاحتلال البريطاني في الهند والأمريكي في اليابان وألمانيا الغربية، وهو كذلك النموذج الذي تزعم الإدارة الأمريكية الحالية أنها تسعى لتطبيقه في العراق. ونجاح هذا النمط لا يتوقف على إرادة الدول المستعمرة وحدها ولكن بتبني نخب ما بعد الاستقلال قيم الديمقراطية وإجراءاتها. فقد شهدت العديد من المستعمرات البريطانية السابقة تجارب انتخابات برلمانية وتعددية حزبية كنوع من استنساخ التجربة البريطانية فالتزمتها نخب ما بعد الاستقلال في الهند وأستراليا ونيوزيلندا وكندا وموريشيوس وآثرت غيرها النخب الجديدة في باكستان ومصر والعراق ونيجيريا.
التحول الديمقراطي تحت إدارة نخبة ديمقراطية مستنيرة يعد نمطا ثالثا شهدته عدد من الدول. وهو نموذج للتحول الديمقراطي يأتي بعد انهيار النظم الاستبدادية إما لموت الحاكم المستبد أو لهزيمة عسكرية تفقده شرعيته بما يؤدي إلى وصول نخب ديمقراطية تدير عملية التحول وتختار بنفسها أن تضع قيودا دستورية على ممارساتها. وهكذا كان حال النخب الجديدة في البرازيل بدءا من عام 1973، وأسبانيا بدءا من عام 1976، وتايوان من عام 1986، والمجر بداء من عام 1989. وهذا ما أمله كثيرون في حالات النخب الجديدة في قطر والبحرين والأردن وسورية والمغرب. وتعد الحالة الأسبانية مثالا شديد الثراء في هذا المقام. فموت الجنرال فرانكو سمح بعودة الملكية إلى أسبانيا وقاد الملك خوان كارلوس عملية التحول باقتدار من ملكية استبدادية إلى ملكية دستورية على النمط البريطاني. واكتملت عملية التحول في عام 1982 بعد أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية.
الانفتاح السياسي التكتيكي الذي يفضي إلى مطالب ديمقراطية غير متوقعة هو النمط الرابع للتحول الديمقراطي. وهذا النمط من التحول يبدأ بمحاولة من النخب الحاكمة تمديد فترة بقائها في السلطة من خلال قليل من الانفتاح السياسي التكتيكي (كالسماح بوجود أحزاب معارضة ثم التضييق على حقها في بناء قواعد شعبية مستقلة). لكن ما لم تتحسبه هذه النخب أن المعارضة تستغل هذا القدر من الانفتاح لخلق شرعية بديلة بما ينتهي بفقدان النخبة المستبدة القدرة على وقف عملية الانفتاح مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي في ظل جورباتشوف وكوريا الجنوبية في عام 1987 وجنوب أفريقيا في عام 1990. ولنا في مصر السادات مثال عكسي. فبعد الانفتاح السياسي في منتصف السبعينيات شعر الرجل أنه سيكون من ضحاياه فتراجع عن الكثير من الإصلاحات السياسية في أواخر السبعينيات وكان من ضحاياه أيضا.
هناك خامسا تعاقد النخبة المستبدة على انسحابها من الحياة السياسية بعد ارتفاع تكلفة القمع. وهذا النموذج يعد نقيض النموذج السابق. فلا النخب قادرة على القمع ولا تملك القدرة على إدارة عملية التحول الديمقراطي ومن هنا يكون أفضل بديل ممكن لها أن تنسحب من الحياة السياسية بعد أن توقع عقدا يضمن لها عفوا سياسيا وبعض الامتيازات على ألا تقف حجر عثرة في مواجهة السلطة الحاكمة الجديدة مثلما حدث في اليونان في عام 1973، وفي البرتغال في عام 1974، وفي بيرو في عام 1977، وفي الأرجنتين عام 1982. والمثال الأكثر صراحة هو مثال انسحاب الرئيس بينوشيه من الحياة السياسية في شيلي في عام 1990.


------------
* مقتطف من بحث مقدم لمادة (قضايا معاصرة) أستاذ المادة/ د.أحمد الحسيني

التنظير السياسي بين الماوردي وابن تيمية



الماوردي .. رائد التنظير السياسي


يرصد عبدالوهاب عيسى بداية التأليف في "السياسة الشرعية" في التاريخ الإسلامي التي بدأت بمجموعة من الكتابات الأدبية لعبد الله بن المقفع (ت 139هـ) مثل "مرايا الأمراء" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" الذي بحث فيه آداب وأصول السياسة وقواعد الرياسة وكيفية التعامل مع السلاطين وغير ذلك من الآداب التعاملية.
وقد سمي الأول بالكبير، ليس لكبر حجمه، وإنما لأنه خاطب به السلطان والخاصة، كما سمي الصغير صغيرا لأنه خاطب به العامة.
ويرى البعض في رسائل عبد الحميد الكاتب (ت 132) وما كتبه عن آداب الكتابة والدواوين في "رسالة إلى الكتاب" بداية الكتابات السياسية لكن أيا كانت البداية فإنها جاءت أدبية فابن المقفع ساعده لسانه الفارسي على نقل التراث السياسي الفارسي، وحاول عبر كتاباته السياسية استيعاب تجربة الملك الفارسي ضمن المجال السياسي الإسلامي.
وعلى غراره كان كتاب "التاج في أخلاق الملوك" لأبي عثمان الجاحظ (ت 252هـ) وباب "استحقاق الإمامة" في رسائله الكلامية فقد كان الجاحظ معتزليا وضمن حاشية الخليفة العباسي، وقد خصّ بكتابه (التاج) الأمير الفتح بن خاقان، والكتاب في مجمله يحاول استعادة أخلاق ملوك ساسان وإعادة شرحها وتكييفها مع المُلك العربي.
ويظهر من هذه الكتب أن أصولها ومصادرها تعود إلى كتابات الأمم السابقة وخصوصا التي ركزت على أهمية الحاكم الفرد؛ فأبدى الجاحظ في هذا الكتاب إعجابا كبيرا وصريحا بتجربة السياسة الفارسية في الحكم والإدارة، إذ يقول عن ملوك العجم: "عنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة وترتيب الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وإلزام كل طبقة حظّها، والاقتصار على جديلتها"، فأراد من هذه السيرة الملوكية الفارسية أن يتعلم العرب كيفية التعامل مع ملوكهم.
ويذكر أيضا في سياق الكتابات السياسية المترجمة في هذه المرحلة كتاب (سلوك المالك في تدبير الممالك) لابن أبي الربيع الذي ألفه في زمن الخليفة المعتصم العباسي (227هـ) بطلب منه، اعتمد فيه على الفكر السياسي اليوناني، مؤكدا على الشكل الملكي للحكم، الذي يقوم على حكم الفرد، مشفوعا بالتفويض الإلهي للحكام "إن الله خصّ الملوك بكرامته، ومكّن لهم في بلاده، وخوّلهم عباده" ثم تناولت السياسة الإسلامية عدة مؤلفات منها الديني وهو ما يهمنا، والفلسفي وهو ما لن نعرضه نظرا لأن طرق استنباطها لا تمت إلى منهجية الاستنباط الشرعي.
وفي القرن الثالث دخل التأليف في السياسة الشرعية إلى مرحلة جديدة كانت فيها عبارة عن مواعظ متفرقة مبثوثة في كتب الأخبار والأدب، لم تفرد لها مصنفات خاصة؛ وهي عبارة عن أمثال وحكم وأقوال مأثورة، وقصص وآيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية؛ وهي مرحلة ذكرها الأستاذ عبد الكريم مطيع الحمداوي محقق كتاب تحفة الترك لنجم الدين الطَّرَسوسي في مقدمة كتابه وجعلها مرحلة أولى، وإن كانت تستحق أن تكون مرحلة ثانية، وخير مثال لهذه المرحلة كتب كـ"عيون الأَخبار" لابن قتيبة (213 - 276 هـ)، والكامل للمبرد (210هـ)، والعقد الفريد لابن عبد ربه ( 246هـ).
وفي هذه المرحلة أضيف شكل جديد للتأليف السياسي السني في السياسة الشرعية حيث بدأ التنظير الشيعي في مسألة الإمامة، والقول بأن الرسول عليه السلام ( قد نصّ لعلي وبنيه بالإمامة، فكرست بعض الفصول والأبواب للرد على هذه النظرية مثال ذلك رد ابن قتيبة (213هـ ـ 276هـ) في كتابه (الإمامة والسياسة) على الشيعة بطريقتهم، أي بالاستدلال بالنص على مشروعية الخلفاء الراشدين.
ومثله كان رد "أبو الحسن الأشعري" (260 ـ 324هـ) في (الإبانة عن أصول الديانة) حيث خصص بابا في آخر كتابه للكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
بعد ذلك جاءت مرحلة جديدة مختلفة في التنظير السياسي، تحولت به إلى علم مستقل له أصوله وفروعه مع كتاب الماوردي، ويمكن القول بأن من أشهر كتب الفقه السياسي في التاريخ الإسلامي هو كتاب ( الأحكام السلطانية ) للإمام الماوردي، واسمه الكامل علي بن محمد بن حبيب. ولد في البصرة عام 364 هجرية، وفيها تلقى العلم، وأتم تحصيله في بغداد، تقلد القضاء في عدة مناطق حتى وصل منصب قاضي القضاة، وكانت له علاقة وطيدة مع الخليفة ورجال الدولة في زمانه. وكان الخليفة يثق فيه وجعله سفيراً بينه وبين بني بويه وبينه وبين السلاجقة، وكانت بيد هؤلاء مراكز القوة في الدولة، ولقد أهلته ثقافته العالية ووظائفه المتعددة واتصاله برجال السلطة عن قرب وخبراته السياسية للكتابة في الفقه السياسي.
وقد نال كتاب الأحكام السلطانية شهرة واسعة، ويرى الدكتور بسطامي محمد خير ـ الذي كتب في تطور الفقه السياسي الإسلامي ـ بأنه يعد أول من جمع مسائل الفقه السياسي المنثورة في مواضع متفرقة في كتاب واحد. يقول الماوردي عن ذلك في مقدمة كتابه:
(لما كانت الأحكام السلطانية بولاة الأمور أحق، وكان امتزاجها بجميع الأحكام يقطعهم عن تصفحها مع تشاغلهم بالسياسة والتدبير أفردت لها كتاباً) .
يبدأ الكتاب بإعطاء تعريف للإمامة والمؤهلات المطلوبة لتقلد هذا المنصب الهام، والطرق الصحيحة لانعقاد الإمامة، ثم يبين واجبات الدولة وواجبات الشعب نحوها والأمور التي تؤدي إلى عزل الإمام. وبعد أن يعطي تعريفاً لكل من الوزارة والإمارة يتحدث عن أنواع الوزارة والإمارة وسلطات كل نوع والمؤهلات المطلوبة لتوليها، ثم ينتقل لمناقشة المهام التفصيلية لأجهزة الدولة المالية والقضائية والعسكرية.
وعموماً يمكن إجمال منهج الكتاب في النقاط التالية:
أ - بما أن الكتاب قد ألف في القرن الخامس الهجري وقد تأصلت المذاهب الفقهية وتمايزت فإن الكتاب يعتبر جمعاً ونقلاً لأراء الفقهاء وتلخيصاً لنظرياتـهم في مسائل السياسة.
ب - حاول الماوردي استيعاب الآراء الفقهية، وقد أشار في مواطن عديدة إلى من اقتبس منهم. وقد كان منهجه في منهج الدراسة المقارنة، فلم يقتصر على ذكر مذهب واحد بل تعرض لكل المذاهب وقارن بينها. وكان يذكر أيضاً أدلة الآراء من القرآن والسنة وآراء الصحابة والتابعين وأعمال الخلفاء السابقين.
ج - سعى المؤلف لضم كل الموضوعات في مؤلف واحد، ولقد اضطره ذلك إلى صياغة عباراته صياغة موجزة وذكر الأدلة ذكرا مختصراً.



ابن تيمية ومنظومة القيم السياسية


لم يكن كتاب السياسة الشرعية الذي ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) بتلك المكانة والقيمة التي احتلها كتاب الماوردي في تاريخ التدوين السياسي، ليس لضعف في محتواه بل بسبب الهدف الذي من أجله صاغ ابن تيمية هذا الكتاب، فقد كانت مجرد رسالة صغيرة موجهة إلى حكام دولة المماليك وغايتها إصلاح الواقع بالقدر الذي يراه ممكناً. يقول في مقدمة كتابه: (فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والإنابة النبوية لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور) ولهذا لا نجد في الرسالة توسعاً في مباحث الدولة، ولا حديثاً عن الطريقة الصحيحة لتكوين الحكومة، التي كان الجدل والإشكال يدور حولها كثيراً في كتاب الإمام الماوردي، بل اتجه ابن تيمية في كتابه إلى وظائف الدولة وغاياتـها، ويقترح الإصلاحات الكفيلة بتقويمها.

ومن أهم هذه الإصلاحات التي يراها ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية:

1 - اعتبار السياسة جزءاً من الدين لا يكمل إلا به يقول: (إن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس). ويقول: (وهاتان السبيلان - سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما سبيل المغضوب عليهم والضالين).

2 - جعل غاية الدولة إقامة العدل وأداء الأمانة يقول في ذلك: (وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانة إلى أهلها والحكم بالعدل فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة) .

3 - استعمال الصلح في مناصب الدولة ووظائفها دون محاباة لقرابة أو غيرها يقول: (فيجب على من ولي شيئاً من أمر المسلمين أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه).

4 - إشاعة الشورى يقول (لا غنى لولي الأمر من المشاورة). المشاورة تكون لأهل العلم يقول: (وأولو الأمر هم الأمراء والعلماء وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس).

5 - منع الظلم الواقع من الحكام والشعب في جمع الأموال وصرفها، يقول: (وكثيراً ما يقع الظلم من الولاة والرعية، وهؤلاء يأخذون مالا يحل وهؤلاء يمنعون ما يجب).

6 - إشاعة الأمن والعدل في القضاء، فيقول عند حديثه عن العقوبات (وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والضعيف ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بغيرها).


------------------------


* مقتطف من بحث مقدم لمادة (النظم الإجتماعية)، أستاذ المادة/ د.عبدالله العويسي

الخوارج .. وجماعات التكفير



لايزال الجدل مستمراً حول ربط جماعات العنف والتكفير في العصر الراهن بمدرسة الخوارج تاريخياً، فمع تزايد حملات القاعدة وعمليات التفجير في العالم الإسلامي، وفي أوروبا وأمريكا، وظهور خطاب يدعو للعنف والتفجير والحرب على الكفار، وإخراج المشركين في جزيرة العرب، كان هناك رؤى تصف هذه الفئة من المسلمين بخوارج العصر. وإن كنت أرى عدم دقة هذا الإطلاق وهذه التسمية، إلا من ناحية التشابه في نتيجة المدرستين ـ الخوارج وجماعات التكفير ـ من حيث أنها تكفر المسلمين وتستبيح دمائهم، لكن كبنية فكرية وعقلية، وامتداد مدرس بمعناه العلمي، هناك فارق كبير بين المدرستين، فمنطلق مدرسة الخوارج في الأساس كان مختلفاً عن منطلق القاعدة وجماعات التكفير، الخوارج قامت على تكفير علي رضي الله عنه، وهذا أصل من أصولهم، بحجة أن لم يحكم القرآن، ومن أصولهم تكفير مرتكب الكبيرة، وتكفير عثمان وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة، وهذا الفكر والأصول لاتوجد عند جماعات التكفير والعنف في العصر الراهن التي جاءت كردة فعل تجاه حملات الاحتلال، وتوسع القوة الأمريكية، ومحاولة لتطبيق الشريعة في البلدان العربية، بل في فكرهم يرون ضلال الخوارج وانحراف عقيدتهم، فكيف يمكن جعلهم امتداداً لهم.
وفي ذلك يقول الكاتب السياسي بشير نافع : (إن من السذاجة، بالطبع، تشبيه تيار العنف الإسلامي المعاصر بالخوارج. فبالرغم من بعض التماثل في المقولات والسلوك، فإن السياق والدوافع والأهداف والبنية الأيديولوجية للخوارج، تختلف اختلافاً جوهرياً عن تيار العنف العابر للحدود.
ليس ثمة مفهوم سياسي ـ أيديولوجي يمكن إعادة توليده كما هو في زمان آخر. ولكن التشابه بين النهايات في الحالتين قد لا يكون مبالغاً فيه، بأي حال من الأحوال.) (1)

إلا إذا استثنينا جماعة من جماعات العنف اقتربت كثيراً في فكرها من مدرسة الخوارج، وهم جماعة التكفير والهجرة، وهي تسمي نفسها (جماعة المسلمين ) .
وقد نشأت في مصر على يد أحد الطلاب الجامعيين في كلية الزراعة بأسيوط (جامعة أسيوط ) ويدعى (شكري مصطفى ) ، وقد تولدت لديه أفكار الخوارج إثر اعتقاله عام 1385هـ تقريباً ، وأكثرها تأصل لديه أثناء السجن حتى عام 1391هـ تقريباً ، وصارت الجماعة تنمو وتتوسع أفكارها نحو الغلو إلى أن قتل زعماؤها على أثر اغتيالهم للدكتور محمد حسين الذهبي .
ولست هنا بصدد الحديث عن أحداثها التاريخية ، إنما يهمني الأصول والسمات والمواقف التي هي موطن العبرة ، والتي هي سبب الحكم فيهم بأنهم صاروا الأقرب لمدرسة الخوارج.
أصول (جماعة التكفير والهجرة ) وسماتهم:
1- التكفير، ويشمل ذلك عندهم :
- تكفير مرتكب الكبيرة والقول بخروجه من الملة ، وأنه خالد مخلد في النار كما تقول فرق الخوارج الأولى .
- تكفير المخالفين لهم من المسلمين (علمائهم وعامتهم ) وتكفير المعين .
- تكفير من يخرج عن جماعتهم ممن كان منهم ، أو من يخالف بعض أصولهم .
- تكفير المجتمعات المسلمة (سواهم ) والحكم عليها بأنها مجتمعات جاهلية .
- تكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله مطلقاً دون تفصيل .
- تكفير من لم يهاجر إليهم ، ومن لم يهجر المجتمع ومؤسساته .
- تكفير من لم يكفر الكافر عندهم مطلقاً .
2- وجوب الهجرة والعزلة ويشمل ذلك عندهم :
- هجر مساجد المسلمين وترك الصلاة بها ، وترك الجمعة .
- هجر المجتمعات المسلمة من حولهم مطلقاً .
- هجر التعلم والتعليم ، وتحريم الدخول في الجامعات والمدارس .
- هجر الوظائف الحكومية ، وهجر العمل بمؤسسات المجتمع ، وتحريم مزاولة أي عمل فيما يطلقون عليه (المجتمع الجاهلي ) وهو كل من سوى جماعتهم .
3- القول بالتوقف والتبين (قاعدة التبين ):
ويقصدون به كما يقصد الخوارج الأولون ، التوقف في أمر مجهول الحال من غير جماعتهم (من المسلمين ) ، فلا يحكمون عليه بالكفر ولا يحكمون له بالإسلام إلا بالبينة ، وهي لزوم جماعتهم ومبايعة إمامهم (يقصدون أنفسهم ) ، فمن أجاب فهو مسلم ومن لم يجب فهو كافر .
4- القول بأن زعيمهم (شكري مصطفى ) ، هو المهدي الذي يخرج آخر الزمان ويظهر الله به الدين على سائر الأديان في الأرض (أصل )
5- زعمهم بأن جماعتهم هي الجماعة المسلمة : جماعة آخر الزمان ، التي تقاتل الدجال ، وأن ظهور الدجال ونزول عيسى عليه السلام قد أوشك . (2)


----------

1ـ مجلة العصر، مقال بشير نافع

2ـ المذاهب والفرق المعاصرة ، الندوة العالمية للشباب الإسلامي

* مقتطف من بحث مقدم في مادة (مدارس الفكر في الحضارة الإسلامية)

ليس دفاعا عن السيستاني

د.حمد الماجد

الشيخ الدكتور محمد العريفي حبيب إلى قلبي وإلى قلوب الملايين العربية، لكن الحق أحب إلينا منه، ونزوله مؤخرا إلى جبهات القتال مع الجنود ضد الحوثيين المعتدين يحثهم ويقوي معنوياتهم ويحرضهم على القتال، وهو موقف إسلامي ووطني مشرف، هذا بالإضافة إلى تقدير الملايين العربية لأسلوبه الدعوي الراقي «غير التقليدي» في مخاطبة الشباب وحثهم على الفضيلة وتنفيرهم من الرذيلة.

الدكتور العريفي باختصار وجه إعلامي أنيق استطاع أن يصل باحترافيته إلى الملايين وينشر الخير بينهم، كل هذا بحر من الفضل يمكن أن يغمس فيه خطأ هجومه الأخير على السيستاني في خطبة جمعة مرتجلة.

والارتجال هنا هو بيت القصيد، ففي تقديري لو أن خطبته كانت مكتوبة ما ظننت أنه يقول ما قال، أو يصف ما وصف، خاصة أنه يعلم أن السيستاني رمز ومرجعية عند عموم الشيعة في الداخل السعودي وخارجه، فلا يليق أن يوصف بمثل ما وصفه الشيخ العريفي من أوصاف، هذا ناهيك عن أن ألفاظ السباب والشتائم أصلا لا تليق من العلماء والدعاة والمفكرين والمثقفين في حق المخالف أيا كانت مخالفته ومهما كان مذهبه أو ديانته، فالعبرة هي بمقارعة الحجة بالحجة وتوضيح مواطن الخلل والخطأ والمجادلة بالتي هي أحسن، وليس التعرض للأفراد بمثل هذه الأوصاف القاسية، ومن سبر سيرة علماء المملكة المشهورين كسماحة الشيخ بن باز والعلامة بن عثيمين رحمهما الله جميعا وغيرهما لا يجد في أقوالهم عن المخالف لهم في الديانة والمذهب لفظة جارحة أو سبا أو شتما على الرغم من شهرتهم بصدق الانتماء والغيرة على المعتقد.

كما لا أظنه قد غاب عن ذهن الدكتور العريفي أو غيره أن مثل هذه الأوصاف القاسية في الرموز المخالفة تعتبر الحاجز المنيع دون التأثير في الأتباع، والداعية ليس داعية لبني جنسه أو أتباع مذهبه أو معتنقي ديانته، بل يطمع في التأثير على الآخرين وتوصيل رسالته لهم، خاصة أن الساحة في عهد الانفجارات الفضائية الإعلامية و«النتية» تشهد سباقا قويا ووطيسا حاميا للظفر بالتأثير، ويستحيل أن تجتمع الإساءة للرموز والتأثير في الأتباع في آن واحد.

إن الرموز تعتبر عند بعض الأمم جزءا من تراثها الذي تحافظ عليه؛ فمهما كنت جدليا ومقنعا أو أردت أن تلصق بهذه الرموز التهم الصحيحة أو المكذوبة فإن نظرة أفراد هذه الأمم تنصب عند البحث والمناظرة على المحافظة على تراثها ورموزها ورعاية منظومتها الاجتماعية، وهذا بالضبط ما لم ينتبه له الصرب الموتورون بعد تفكك يوغسلافيا في التسعينات، فالمعروف أن علاقة المسلمين البوسنيين بديانتهم كانت ضعيفة جدا حتى إن أغلبية الجيل الجديد آنذاك كان لا يحمل من الإسلام إلا الأسماء، حاربهم الصرب بشراسة وهدموا مساجدهم وقتلوا علماءهم واغتصبوا نساءهم وأهانوا رموزهم، فانتفض المارد الإسلامي من قمقمه وبدأ المسلمون البوسنيون التائهون يعودون لديانتهم ويتحمسون للدفاع عنها بصلابة وشراسة، حتى رجحت كفتهم في القتال وحققوا بعد المكاسب العسكرية مكاسب سياسية عض الصرب بسببها أصابع الندم.

أما ونحن بصدد نقد الإساءة للرموز وشتمهم، فإن أكثر ما ينقمه جماهير أهل السنة من تطوان غربا إلى جاكرتا شرقا هو اكتناز التراث الشيعي على كم هائل من السباب والشتائم لرموز السنة من الصحابة وأمهات المؤمنين، وأنا أدرك جيدا استحالة تخليص هذا التراث من رواسبه، فهذه مسؤولية من كتبه، لكن المقدور عليه هو في وقفة شجاعة من المنصفين والعقلاء والحريصين على الوحدة الإسلامية في المعسكر الشيعي من علماء ومفكرين ومثقفين لإعلان البراءة الصريحة من انتساب هذا السباب والشتائم إلى المذهب الشيعي كما فعل الباحث الشيعي المعروف الصديق أحمد الكاتب والشيخ حسين فضل الله وغيرهما.
-----------
نقلاً عن جريدة الشرق الأوسط